الجصاص
301
أحكام القرآن
المال بدلا من نفس الحر كانت معلومة المقدار عندهم وهي مائة من الإبل ، فمتى أطلقت كان من مفهوم اللفظ هذا القدر ، فإطلاق لفظ الدية قد أنبأ عن هذا المعنى ، وعطفها على الدية المتقدمة مع تساوي اللفظ فيهما بأنها دية مسلمة قد اقتضى ذلك أيضا ، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . باب المسلم يقيم في دار الحرب فيقتل قبل أن يهاجر إلينا قال الله تعالى : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) . روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ) قال : " يكون الرجل مؤمنا وقومه كفار فلا دية له ولكن عتق رقبة مؤمنة " . قال أبو بكر : هذا محمول على الذي يسلم في دار الحرب فيقتل قبل أن يهاجر إلينا ، لأنه غير جائز أن يكون مراده في المؤمن في دار الاسلام إذا قتل وله أقارب كفار ، لأنه لا خلاف بين المسلمين أن على قاتله الدية لبيت المال ، وأن كون أقربائه كفارا لا يوجب سقوط ديته لأنهم بمنزلة الأموات حيث لا يرثونه . وروى عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس : ( فإن كان من قوم عدو لكم ) الآية ، قال : " كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم ، ثم يرجع إلى قومه فيكون فيهم فيصيبه المسلمون خطأ في سرية أو غزاة ، فيعتق الذي يصيبه رقبة " . قال أبو بكر : إذا أسلم في دار الاسلام لم تسقط ديته برجوعه إلى دار الحرب كسائر المسلمين ، لأن ما بينه وبين المشركين من القرابة لا تأثير له في اسقاط قيمة دمه ، كسائر أهل دار الاسلام إذا دخلوا دار الحرب بأمان على القاتل الدية . وروي عن أبي عياض مثل ما روي عن ابن عباس . وقال قتادة : " هو المسلم يكون في المشركين فيقتله المؤمن ولا يدري ففيه عتق رقبة وليس فيه دية " . وهذا على أنه يقتل قبل الهجرة إلى دار الاسلام . وروى مغيرة عن إبراهيم : ( فإن كان من قوم عدو لكم ) قال : " هو المؤمن يقتل وقومه مشركون ليس بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد ، فعليه تحرير رقبة ، وإن كان بينهم وبين النبي عليه السلام عهد أدى ديته إلى قرابته الذين بينهم وبين النبي عليه السلام عهد " . قال أبو بكر : وهذا لا معنى له ، من قبل أن أقرباءه لا يرثونه لأنهم كفار وهو مسلم ، فكيف يأخذون ديته ! وإن كان قومه أهل حرب وهو من أهل دار الاسلام فالدية واجبة لبيت المال كمسلم قتل في دار الاسلام ولا وارث له . وقد اختلف فقهاء الأمصار فيمن قتل في دار الحرب وهو مؤمن قبل أن يهاجر ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف في الرواية المشهورة ومحمد في الحربي يسلم فيقتله مسلم